صديق الحسيني القنوجي البخاري
501
فتح البيان في مقاصد القرآن
لكن لا لبيان انتفاء التقدم مع إمكانه في نفسه كالتأخر بل للمبالغة في انتفاء التأخر بنظمه في سلك المستحيل عقلا . وقال القاري : حاصل كلام القاضي أن هذا بمنزلة المثل أي لا يقصد من مجموع الكلام إلا أن الوقت تقرر لا يتغير ولا يتبدل انتهى . أقول قد طال الكلام من أهل العلم على ما يظهر في بادىء الرأي من التعارض بين هذه الآيات الشريفة وهي قوله تعالى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ [ نوح : 4 ] وقوله تعالى وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [ آل عمران : 145 ] فقيل إنها معارضة لقوله عزّ وجلّ يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [ الرعد : 39 ] وقوله سبحانه وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ [ فاطر : 11 ] وقوله سبحانه ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ [ الأنعام : 2 ] . فذهب الجمهور إلى أن العمر لا يزيد ولا ينقص استدلالا بالآيات المتقدمة وبالأحاديث الصحيحة كحديث ابن مسعود عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال : « إن أحدكم يجمع خلقه في أربعين يوما ثم يكون علقة ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث اللّه إليه ملكا ويؤمر بأربع كلمات ، ويقال له اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد » « 1 » وهو في الصحيحين وغيرهما وما ورد في معناه من الأحاديث الصحيحة . وأجابوا عن قوله عزّ وجلّ يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ [ الرعد : 39 ] بأن المعنى يمحو ما يشاء من الشرائع والفرائض فينسخه ويبدله ويثبت ما يشاء فلا ينسخه ، وجملة الناسخ والمنسوخ عنده في أم الكتاب . ولا يخفى أن هذا تخصيص لعموم الآية بغير مخصص . وأيضا يقال لهم : إن القلم قد جرى بما هو كائن إلى يوم القيامة كما في الأحاديث الصحيحة ومن جملة ذلك الشرائع والفرائض فهي مثل العمر إذا جاز فيها المحو والإثبات جاز في العمر المحو والإثبات . وقيل المراد بالآية محو ما في ديوان الحفظة مما ليس بحسنة ولا سيئة لأنهم مأمورون بكتب كل ما ينطق به الإنسان ، ويجاب عنه بمثل الجواب الأول . وقيل يغفر اللّه ما يشاء من ذنوب عباده ويترك ما يشاء فلا يغفر ، ويجاب عنه بمثل الجواب السابق .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب 6 ، والأنبياء باب 1 ، والقدر باب 82 ، والتوحيد باب 28 ، ومسلم في القدر حديث 1 ، وأبو داود في السنة باب 16 ، والترمذي في القدر باب 4 ، وابن ماجة في المقدمة باب 10 ، وأحمد في المسند 1 / 382 ، 414 ، 430 .